حسن بن عبد الله السيرافي
36
شرح كتاب سيبويه
الإعمال والإلغاء . فإن قال قائل ما العلة التي من أجلها جاز الإلغاء في " ظننت " و " إذن " إذا كان على الحد الذي وصفته ؟ فالجواب في ذلك : أنك إذا قلت : " ظننت زيدا منطلقا " فقد بدأت بفعل لا بد من إعماله ؛ لأنه واقع على ما بعده ، وذلك قولك : " ظننت زيدا منطلقا " فإذا قدمت زيدا فقد بدأت به على لفظ اليقين والإخبار ، فجاز على أن يجري على سنن ابتدائك ، ويلغى الفعل المتأخر إذا كان مما يلغى ؛ لأن الأول قد تعلق لمعنى يوجب رفعه ، وذلك قولك : " زيد ظننت منطلق " ، و " زيد منطلق ظننت " ، كأنك قلت : زيد منطلق في ظني ، كما تقول : زيد منطلق عندي ، وأنت تريد في رأيي واعتقادي . وهذا كلام مستعمل ، أعني إذا قلت : زيد منطلق عندي وأنت تريد : في ظني واعتقادي ، فإذا نصبت مع التقدم فقلت : " زيدا ظننت منطلقا ، وزيدا منطلقا ظننت " ، فكأنك قدمت اللفظ مريدا لتأخيره معتمدا على الظن الذي أخرته . وكذلك " إذن " بعد الواو والفاء تجري هذا المجرى ، وذلك لأن الواو والفاء لا تكونان إلا متعلقتين بما قبلهما و " إذن " إذا كان قبلها محتاجا إلى ما بعدها لم تعمل ، وذلك قولك : " زيد إذن يقوم " ، و " إنّ زيدا إذن ينطلق " ، " واللّه إذن لا يقوم " ألغيت " إذن " لحاجة ما قبلها إلى ما بعدها ، فإذا كان قبلها واو أو فاء ، وجعلت الكلام الذي بعدها في تقدير الحاجة إلى ما قبلها ألغيت " إذن " ؛ لأن الواو للعطف ، فكأن ما بعد " إذن " من تمام ما قبلها وإذا جعلت الواو مستأنفة جعلت لها حكم نفسها وصارت كجملة معطوفة على جملة . ونبيّن هذا المعنى بمسألة تقول : " زيد يقوم وإذن يكرمك " . إذا عطفت " وإذن يكرمك " على " يقوم " الذي هو الخبر ألغيت إذن من العمل ، وصار بمنزلة قولك : " زيد إذن يكرمك " ، لأن المعطوف على الشيء يقع موقعه ، ويصير خبرا لزيد ، بمنزلة " يقوم " ، فكأنك قلت : " زيد يقوم ويكرمك " ، في تقدير اللفظ . وإذا لم تعطف " وإذن يكرمك " على الخبر ، وجعلته عطفا على الجملة المتقدمة نصبت ما بعدها وصار لها حكمها إذا ابتدأت ولم يتقدمها كلام ، وكان بمحل قولك : " زيد قائم وعمرو منطلق " " زيد منطلق وأبوه يكرمك " جعلت الثانية جملة قائمة بنفسها ، غير معطوفة على خبر الأول ، ولكنها معطوفة على جملة الكلام ، وأما الحال التي تلغى فيها إذن فأن يتقدم اسم